هذا هــــــــــو الجزاء الثاني ممن الفهم الصحيح لايات القران الكريم التي تحير الكثير و التي لو عرفناها بوعي و ادراك لعشنا في سلام و رغد و لتعدينا الركب الحضاري الذي ضيعناه ونحن نعيش البحث عن الذات ..
الدعوة و القتال ..
دَفْع الإنسان نحوا الفعل من غير رضى إكراه له، سواء جاء ذلك بقوة الترغيب، أو بقوة الترهيب، ويكون أثر ذلك في الأعمال الظاهرة والأفعال والحركات المادية فقط، دون الأمور القلبية.والدين منهج حياة؛ تصنعه سلسلة معارف تُكوِّن لدى الإنسان يماناً وعقيدة، وترسم له حياة سعيدة.ولكي يؤدي الدين دوره في بناء العقيدة والدَّفع نحو العمل الإيجابي المُنَظَّم، لابد أن يأتي عبر الإقناع، فقد قرر الله تعالى أن ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾[البقرة/256].. وذلك ليس مجرد حكم تشريعي فحسب، بل هو تقرير لحالة تكوينية في خلق الإنسان، فالإكراه لا يوفر إيماناً، ولا يصنع عقيدة، ولكنه يخلق بيئة للعداوة والنفاق الذي يسهل اختراق المجتمع والتربص به، في حين أن المطلوب: انقياد للدين تحت تأثير الرغبة فيه، والوعي الكامل بمقاصده واهدافه، والرضاء التام بتعاليمه وتشريعاته، أما الإكراه، فأمر لا يريده الله، إذ ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس/99].وهذا ما يفسر الطبيعة السلمية لدعوات الرسل، ابتداء من الأنبياء الموصوفين بأولي العزم، ومروراً بأنبياء الجماعات، وانتهاء بخاتم النبيين.أما أولي العزم من الرسل فعند ما نتتبع ما قص الله تعالى في القرآن من أخبار الأنبياء نجد أن وسيلتهم في دعوة التغيير مزجت بين: «الكلمة الطيبة، والقدوة الحسنة»، لخلق إيمان صادق ويقين راسخ، عزز فيه فعلُ القدوةِ قولَه؛ أما القتل والقتال فلم يكن له حضور في مسيرة دعواتهم، تماشياً مع الأساس الذي قامت عليه رسالاتهم: ﴿فمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾[الزمر/41]؛ رغم أن تباين ظروف الأنبياء واختلاف المراحل التي عاشوها؛ يبرر الاختلاف في أسلوب الدعوة والتبليغ، من زمان إلى زمان، كما برر اختلاف نوعية المعجزات وطبيعة الاهتمامات.
* فالمذكور في قصة نوح أنه لبث يدعو قومه ـ ليلاً ونهاراً إعلاناً وإسراراً ـ قرابة ألف سنة، حتى سَخِروا منه وضيقوا عليه، وقالوا ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون/25] وتوعدوه: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾[الشعراء/ 116] فأبدى مزيداً من الإصرار والتصميم على تبليغ دعوته مهما كانت الأذية والخشونة، فقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس/71]. ورغم طول المدة وشراسة القوم، الذين وصفهم القرآن بأنهم ﴿أظْلمَ وَأَطْغَى﴾، لما أبدوه من تحد وعناد؛ لم يلجأ نوح إلى العنف لفرض دعوته، بل ترك الأمر في إطار الدعوة السلمية، ولما غُلب على أمره طلب من الله حسن المخرج، فـ ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[الشعراء/ 118]، فقضى الله ما أراد من هلالكهم ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت/14].
* ولم يؤثر عن الخليل إبراهيم عليه السلام أنه حمل سلاحاً، أو قاد جيشاً لبسط نفوذه وتبليغ دعوته، ولكنه استخدم الحجة والمنطق في خطاب القوم، وسخر ما منحه الله من الذكاء والحكمة في مناضرتهم ابتداء من أبيه ومرورا بعامة الناس وانتهاء بنمرد زمانه، وحينما وجد أنهم غارقون في سبات غفلة لا يتمكنون معها حتى من مجرد التفكير، قرر أن يوقض عقولهم عن طريق الصّدمة؛ بمطالبة العقل بتعقل ما لا يُعقل، وذلك حينما حطم بعض أصنامهم فاستجوبوه و ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (فأراد أن يوقضهم من غفلتهم حين افترض أن كبير أصنامهم حطّم صغارها، فـ ) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ. (فصدموا واضطروا إلى الاعتراف بعجز أصنامهم عن الدفاع عن نفسها، بل حتى عن الشكوى مما لحق بها من ضرر، فتحقق ما أراد إبراهيم من إيقاضهم) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (غير أن حُجب الشرك على قلوبهم كانت كثيفة، فترددوا) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ (وقالوا) لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ!! (فنبهمم على حجة أخرى، فـ )قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. (فلم يجدوا جوابا مقتعاً وبهرتهم الحجة، فلجاوا إلى ما يجيده الطواغيت من مواجهة المنطق بالعنف فـ ) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الانبياء/ 52 ـ 70]. ولكن الله نجاه من تلك المحنة، واستمر في دعوة السلمية، حتى أنه كان يرجوا الرحمة، لاؤلئك الذين عاندوا وأصروا على باطلهم، فقال: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم/ 36].
* وحينما اختار الله موسى نبياً ـ لم يكن معه غير عصاه التي يتؤكا عيها ـ فقال له: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (فطلب منه موسى أن يساعده في الحصول على الوسائل التي تيسر له تبليغ الدعوة، فـ) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ﴾ [طه/ 25ـ 36] فكان غاية مطلبه أن يتمكن من حسن البيان، ويوفق إلى لباقة الحوار، ولم يطلب جيشاً جراراً يقوده لفرض مهمته، رغم أنه يواجه طاغية جباراً أدمن القتل، وستمرأ إبادة مخالفيه، مما جعل موسى وهارون يتخوفان من بطشه فـ ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (فطمئنهما فـ) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه/45 ـ 46] وأوصاهما بأن تكون دعوتهما إلى الحق بأكثر الوسائل لطفاً، حتى أنه أمر في القول ـ رغم سلميته ـ أن يكون ليناً، فقال: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه/ 43 ـ 44].
* وبعث الله المسيح برسالة جديدة وذهب إلى قومه دون سلاح و لا آلة حرب ودمار، فقال لهم: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾[الزخرف/63] وبعد أن بذل ما بوسعه من إقناع الناس برسالته، وقدم لهم المعجزات، وكشف لهم أسرار الخلق وقدرة الخالق، ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران/52]. ولم يدع على قومه ولم يطالب بمعاقبتهم، بل ترك الأمر لله، وقال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة/ 118] .
ولأن عيسى كان مسالماً؛ سلاحه الكلمة ومنطقه الحكمة، ولم يكن يمتلك ترسانة عسكرية تدفاع عنه، قرر الفوضويون مهاجمته في بيته للقضاء عليه والتنكيل به وصلبه، فنجاه اله وحكا كذب قولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء/157]. لقد استطاع عيسى أن يترك أثراً في الحياة بكلماته، فهو حي مدى الدهر ببقائها، بينما يغيب الجبابرة المتسلطون على الأمم بمجرد موتهم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق